أحمد بن محمد المقري التلمساني
267
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
لا يفعل ، فهذه حالة الشك « 1 » ، وأما حالة اليقين فإني إن استندت إلى ابن تاشفين فإني أرضي اللّه « 2 » ، وإن استندت إلى الأذفونش أسخطت اللّه تعالى ، فإذا كانت حالة الشك فيها عارضة ، فلأي شيء أدع ما يرضي اللّه وآتي ما يسخطه ؟ فحينئذ قصّر أصحابه عن لومه . ولما عزم أمر صاحب بطليوس المتوكل عمر بن محمد وعبد اللّه بن حبّوس الصنهاجي صاحب غرناطة أن يبعث إليه كل منهما قاضي حضرته ، ففعلا ، واستحضر قاضي الجماعة بقرطبة أبا بكر عبيد اللّه بن أدهم ، وكان أعقل أهل زمانه ، فلما اجتمع عنده القضاة بإشبيلية أضاف إليهم وزيره أبا بكر بن زيدون ، وعرفهم أربعتهم أنهم رسله إلى يوسف بن تاشفين ، وأسنه إلى القضاة ما يليق بهم من وعظ يوسف بن تاشفين وترغيبه في الجهاد ، وأسند إلى وزيره ما لابد منه في تلك السّفارة من إبرام العقود السلطانية ، وكان يوسف بن تاشفين لا تزال تفد عليه وفود ثغور الأندلس مستعطفين ، مجهشين بالبكاء « 3 » ، ناشدين بالله والإسلام ، مستنجدين بفقهاء حضرته ووزراء دولته ، فيسمع إليهم ، ويصغي لقولهم ، وترقّ نفسه لهم . فما عبرت رسل ابن عباد البحر إلا ورسل يوسف بالمرصاد ، ولما انتهت الرسل إلى ابن تاشفين أقبل عليهم ، وأكرم مثواهم « 4 » ، واتصل ذلك بابن عباد ، فوجه من إشبيلية أسطولا نحو صاحب سبتة ، فانتظمت في سلك يوسف ، ثم جرت بينه وبين الرسل مراوضات ، ثم انصرفت إلى مرسلها ، ثم عبر يوسف البحر عبورا سهلا ، حتى أتى الجزيرة الخضراء ، ففتحوا له ، وخرج إليه أهلها بما عندهم من الأقوات والضيافات ، وأقاموا له سوقا جلبوا إليه ما عندهم من سائر المرافق ، وأذنوا للغزاة في دخول البلد والتصرف فيها ، فامتلأت المساجد والرحبات بالمطّوّعين « 5 » ، وتواصوا بهم خيرا ، هذا مساق صاحب « الروض المعطار » . وأما ابن الأثير فإنه لما ذكر وقعة الزلّاقة ذكر ما تقدم من فعل المعتمد بالإرسال وقتلهم « 6 » ، وتخوف أكابر الأندلس من الأذفونش ، وأنه اجتمع منهم رؤساء ، وساروا إلى القاضي عبد اللّه بن محمد « 7 » ، وقالوا : ألا تنظر [ إلى ] ما فيه المسلمون من الصّغار والذلة وإعطائهم الجزية ، بعد أن كانوا يأخذونها ، وقالوا : قد غلب على البلاد الفرنج ، ولم يبق إلا القليل ، وإن دام « 8 » هذا الأمر عادت نصرانية كما كانت أولا ، وقد رأينا رأيا نعرضه عليك ،
--> ( 1 ) في ب ، ج « فهذه حالة شك » . ( 2 ) في ب ، ه « فأنا أرضي اللّه » . ( 3 ) أجهش بالبكاء : بكى بصوت مرتفع ونحيب . ( 4 ) مثواهم : إقامتهم . ( 5 ) المطّوعين ، بتشديد الطاء ، أصله : « المتطوعين » قلبت التاء طاء وأدغمت في الطاء . ( 6 ) انظر الكافي في التاريخ . ( 7 ) في ب « عبد اللّه بن محمد بن أدهم » . ( 8 ) في ب ، ه « وإن طال هذا الأمر » .